x
المرأة
Uncategorized

حين يغادر الأبناء بيت العائلة.. تفاصيل غائبة ترهق الآباء

  • Publishedنوفمبر 23, 2025

بيت فارغ.. وأب يجلس على كرسيه المعتاد، يحدق في النافذة منتظرا ظلا يمر أو خطوة يعرفها. وأم في مطبخها الصغير تعد طعاما أكبر من حاجتهما، لعلّ أحد أبنائهما يطرق الباب فجأة ليشاركهما لقمة دافئة.
هدوء يسكن “بيت العيلة” الذي كانت جدرانه يوما تضج بالضحكات. اليوم يتسلل إلى تفاصيل يومهما، وكأنهما يعيشان صدى زمن مضى بعدما أتما رسالتهما.


آباء وأمهات عاشوا حياتهم من أجل أطفالهم، وسعوا باجتهاد ليروا نجاحهم واستقرارهم في منازلهم الخاصة. من الخطوة الأولى، لإمساك القلم وكتابة أجمل الكلمات، لعنفوان المراهقة والسعي نحو النجاح… خطوة بخطوة أمضى الأبوان سنوات حياتهما مع ضجيج أبنائهما، ليصنعوا معهم أجمل الذكريات.


مشاعر إنسانية مختلطة يعيشها الآباء
وكما يقال: “إنها سنة الحياة”، أن يمضي كل واحد من أبنائهما في حياته ويستقر ويبني أسرته الصغيرة. مشاعر إنسانية مختلطة يعيشها الآباء والأمهات بين فرحتهم باستقرار أبنائهم وحزنهم لابتعادهم عن “بيت العائلة”.


 وليس هذا حال عائلة واحدة، بل حالة تصف الكثير من الأسر التي مرت بهذه المشاعر في مرحلة ما. ومع ذلك، يبقى الأب والأم يستندان على بعضهما وينتظران بلهفة زيارة الأبناء والأحفاد، زيارة تعيد للبيت نبضه ولو لساعات. وهكذا هو حال أم لؤي؛ فبعد أن استقر أبناؤها وبنوا حياتهم الخاصة، ومضى أبناؤها الأربعة كل في طريقه، منهم من تزوج وآخرون سافروا وابتعدوا عنها، شعرت بحزن كبير.


 “ما أعرف إذا هذا حالي لوحدي أم إنه حال جميع الآباء والأمهات”، تقول أم لؤي وهي تصف حالتها بأنها شعرت أن حياتها انهارت بالكامل، ودخلت في موجة من الاكتئاب والإحباط الشديد، بالرغم من أنها من الأشخاص الذين لديهم شبكة علاقات كبيرة ووقتها دائما مليء بالنشاطات.


 وتبين أن كل ذلك كان لديها وقت له، وكانت تفعله وهي سعيدة؛ تطهي لكل واحد من أبنائها الأكلة التي يحبها، وإن أخذ ذلك كل وقتها. وحتى عند سفرها، كانت تقضي وقتها بالتبضع وشراء الهدايا لهم، وكانوا يأخذون كل وقتها، وكانت تلك أسعد أوقاتها.


غياب تفاصيل مفرحة عن الوالدين
ولكن الآن تشعر بأن الحياة فارغة، ولا قدرة لديها على فعل أي شيء. وتصف وضعها بأنها “عاجزة” عن القيام بأي شيء، حتى داخل بيتها، فهي غير قادرة على أن تقوم بالطهي أو ترتيبه.


كل هذا كان لديها وقت له وكانت تفعله وهي سعيدة؛ تطهو لكل واحد من أبنائها الأكلة التي يحبها، وإن أخذ ذلك كل وقتها.


 وحتى عند سفرها كانت تقضي وقتها بالتبضع وشراء الهدايا لهم، وكانوا يأخذون كل وقتها، وكانت تلك أسعد أوقاتها.هذه المشاعر الإنسانية التي تعيشها أم لؤي وتحاول أن تتخطاها عندما ترى سعادة أبنائها، معترفة بأنها تحتاج وقتا لذلك. وهنا يبقى السؤال: كيف يملأ الأبوان أوقات فراغهما بما يسعدهما؟ وما دور الأبناء في التخفيف من هذه المشاعر؟

تقبل التغيير والتكيف معه
بدوره يبين الاستشاري الاجتماعي الأسري مفيد سرحان، أنه بالرغم من اهتمام الأبوين بزواج أبنائهم وبناتهم عند الكبر، والسعي في البحث عن الزوج أو الزوجة المناسب، والفرح والاحتفاء بالزواج، وشعورهم بالفخر بأبنائهم الذين بدأوا حياتهم الجديدة ويتمنون لهم السعادة والنجاح، إلا أن خروج الابن أو الابنة من المنزل بعد الزواج يسبب ألما نفسيا كبيرا لهما، خاصة في الأشهر الأولى.

فزواجهم هو لحظة فارقة في حياة كل أسرة، ويجب على الآباء والأمهات أن يتقبلوا هذا التغيير ويتكيفوا معه.


 ويوضح سرحان أن انتقال الأبناء إلى بيت الزوجية هو من أكثر الأوقات حساسية؛ فابتعادهم بعد سنين طويلة من العشرة ليس أمرا سهلا. فهي فترة نفسية حرجة بالنسبة للوالدين، اللذين يبقيان فترة طويلة يعانيان من آثار الفراق بعد غياب أحد أفراد الأسرة.


 ويؤكد سرحان أن شعور الأهالي بالوحشة والغربة بعد تزويج أبنائهم أمر طبيعي؛ إذ إن خروج أحد الأبناء يترك فراغا نفسيا وشعورا بالقلق عند الوالدين، مبينا أن درجة الشعور بالوحشة أو الوحدة تختلف من شخص إلى آخر.


 الوحدة.. ودور الأبناء في تبديدها
ويذكر سرحان أن هناك عوامل تتحكم في درجة شعور الأبوين بالوحدة أو القلق، منها شخصية الأب أو الأم، وشخصية الابن أو الابنة، ومدى اعتماد الوالدين عليهم، وطبيعة العلاقات الاجتماعية المحيطة.


 حيث يزداد تعلق الوالدين بالأبناء كلما كان الأبناء أكثر قربا منهم وأكثر تفاعلا مع حاجاتهم. ويضيف أن تأثر الوالدين غالبا ما يكون أكبر عندما يتزوج الابن أو الابنة الصغرى ويغادران البيت إلى سكن مستقل، فيشعر الوالدان بالوحدة بعد أن كان معهما من يشاركهما تفاصيل الحياة.


 ويؤكد سرحان أنه من المهم ألا يغيب عن ذهن الوالدين أن الأمر الطبيعي هو أن يتزوج الأبناء وينشئوا أسرا جديدة، فالوالدان كانا جزءا من بيت الأجداد أيضا. والأهم أن يدركوا أن الأبناء والبنات سيغادرون المنزل في فترة ما.


 ويشير إلى أن الأمر يحتاج إلى تهيئة مسبقة، إذ إن ابتعاد الأبناء عن والديهم ليس بالأمر الهين، ومرحلة التعود لدى الوالدين تبدأ غالبا عقب زواج الابن أو الابنة الأكبر، وما يأتي بعدهم من الإخوة يكون أسهل على الوالدين في تقبله.


ما الذي على الأبناء القيام به؟
ويبين أن نظرة الوالدين لقضية زواج أبنائهم هي التي تحدد مسار حالتهم النفسية عقب خروجهم من المنزل؛ فإن اعتبروا الأسرة الجديدة التي كونها أحد الأبناء امتدادا للأسرة الأصل وفرعا لها، كانوا أكثر تفهما وقبولا، وتحسن شعورهم إلى حد كبير، وابتعدوا عن شعور الألم والبعد والفراق.


وينوه إلى أن الأم بطبيعتها عاطفية، فمن الطبيعي أن تحزن عند انفصال أحد الأبناء عنها. وفي الأغلب تكون هي الأكثر تأثرا بعد زواج الأبناء والبنات ومغادرتهم المنزل، نظرا لطبيعة تكوينها وقيامها بالجزء الأكبر من عملية التربية وحرصها على متابعة التفاصيل اليومية لحياتهم.


ويشير سرحان إلى أن الأهل يبذلون مجهودا كبيرا في تربية أبنائهم ويفرحون عندما يكبرون، ويتفاخرون بهم من حيث المستوى التعليمي والاجتماعي بين الناس؛ والآباء يحسنون تربية أبنائهم، وفي المقابل فإن من الواجب على الأبناء أن يبروا بآبائهم ويبقوا على تواصل مستمر معهم بعد الزواج.


ويقول سرحان: “تميّزت كثير من مجتمعاتنا العربية بما يُعرف بالأسرة الممتدة، وهي الأسرة التي تضم الآباء والأبناء والأحفاد، وهذا دليل على عمق الصلات في مجتمعاتنا”.


ويتابع أنه وللأسف نجد أن مثل هذه الروابط بدأت تضعف عند البعض، وذلك يعود لأسباب متعددة، منها ضعف التنشئة، والبعد بين المساكن، وتغير ظروف الحياة وما طرأ عليها من متغيرات تؤثر على الحياة الأسرية. فالأبناء اليوم يبحثون عن الاستقلالية، على عكس الأيام السابقة التي كان فيها الآباء والأجداد يعيشون في كنف واحد مترابط ينعم بالدفء والحب والحنان.


 تلبية حاجات الأهل والتواصل المستمر 
ووفق سرحان فإن زواج الابن وانتقاله إلى مسكن الزوجية لا يعفيه من مسؤوليته السابقة، وإنما يجب عليه أن يجمع بين المسؤوليتين، ويخطط لذلك قبل أن يقدم على خطوة الزواج. كما تقع على عاتق الآباء مسؤولية تربية أبنائهم ليكونوا على تواصل مع أجدادهم في المستقبل.


ويبين سرحان أن الإنسان يمر بمراحل عمرية مختلفة، ولكل مرحلة خصائصها وميزاتها، وفي جميع هذه المراحل لا يستغني الإنسان عن الآخرين، فهو بحاجة إليهم وهم بحاجة إليه، لأن الإنسان بطبعه اجتماعي.


 وتكون هذه الحاجة أكبر كلما تقدم الإنسان في العمر؛ حيث تضعف قدرته على تلبية احتياجاته، وأيضا لوجود وقت فراغ طويل، خاصة بعد مرحلة التقاعد أو الانقطاع عن العمل.


وهنا تأتي أهمية استمرار تواصل الأبناء والأحفاد مع آبائهم وأجدادهم، بحسب سرحان، وهذا التواصل له أهداف عدة، منها خدمتهم ومساعدتهم على قضاء احتياجاتهم وتلبية مطالبهم المادية.


والجانب الآخر، والذي لا يقل أهمية، هو الجانب الاجتماعي والنفسي؛ حيث يشعر الإنسان بالحاجة إلى من يقف إلى جانبه ويحدثه ويخفف عنه من آلامه، وألا يشعر كبير السن بالوحدة التي ستؤثر سلبا على نفسيته وبالتالي على صحته الجسدية. ولذلك لا بد من تواصل الأبناء مع الآباء بشكل مستمر وعدم الانقطاع عنهم، سواء بالزيارات أو من خلال استضافتهم في بيوتهم.


ومن أكثر الأمور خطورة، بحسب سرحان، هو ترك الآباء في منزل مستقل بعيد عن الأبناء، خاصة في الفترة التي يجدون فيها صعوبة في القيام بواجباتهم في فترة الشيخوخة والعجز.


 وقد يكون من المناسب السكن في بيت مجاور لبيت الوالدين لضمان تفقد أحوالهما.


مساحات للأهل يملؤون فيها الفراغ 
يعتقد بعض الأبناء بعد زواجهم أن حياتهم انفصلت عن آبائهم، فقد أصبحوا أزواجا وآباء ومسؤولين عن أسرة وبيت. ومع مشاغل الحياة والسعي وراء لقمة العيش والالتزامات المادية والأعباء الاجتماعية الواقعة على كاهلهم، ينسون أنهم ما زالوا أبناء لآباء على قيد الحياة.

وبناء على ذلك، لا بد من إدراك الأبناء أن الآباء في هذه السن الكبيرة يحتاجون إلى أن يشعروا بثمرة تربيتهم، ومن مسؤوليتهم الحرص على حقوق الوالدين والبرّ بهما وعدم نسيان أو تجاهل دورهما، وإدامة التواصل معهما بالزيارة والتواصل.


ويختتم سرحان حديثه مبينا أن مما يساعد على ملء وقت الأبوين المشاركة في أعمال تطوعية، أو ممارسة الهوايات كالقراءة، والتواصل مع زملاء العمل السابقين والأصدقاء، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية.

Written By
m.romman@hotmail.com

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *